ما هي الحالات التي تفقد فيها الأم حق الحضانة وفق التشريع الإماراتي؟
تُعد مسألة حضانة الأبناء من أكثر الموضوعات إثارة للنزاع والخلاف بين الأزواج بعد الطلاق، حيث قد يسعى أحد الطرفين لاستخدام حق الحضانة كوسيلة للضغط على الطرف الآخر، وغالباً ما تأتي هذه الممارسات في سياق ردود الفعل الانتقامية أو أشكال الإكراه والابتزاز العاطفي.
انطلاقاً من ذلك، ينظم قانون الأحوال الشخصية والأسرة في دولة الإمارات الحقوق والواجبات المترتبة على الوالدين تجاه أبنائهم في إطار العلاقة الزوجية الطبيعية، حيث يُعترف بالأب بصفته وصياً قانونياً على الأبناء، بينما تُمنح الأم حق الحضانة، وذلك وفقاً لما تقرره المحكمة بما يتوافق مع مصلحة الطفل الفضلى.
وفقاً لهذا الإطار، أصدرت المحاكم في دولة الإمارات العربية المتحدة مجموعة من الأحكام القضائية التي تهدف إلى حماية مصالح الطفل، وذلك استناداً إلى المادة (144) من القانون الاتحادي رقم (28) لسنة 2005 في شأن قانون الأحوال الشخصية، والتي تنظم أحكام حضانة الأم في المنظومة القانونية الإماراتية.
حق الأم في الحضانة وفق التشريع الإماراتي
تنص المادة (146)، الفقرة (6) من قانون الأحوال الشخصية الإماراتي، على أن للأم الأولوية في حضانة ولدها في حال نشوء نزاع حولها، ما لم يقرر القضاء ما يخالف ذلك لمصلحة الطفل المحضون.
أما المادة (156)، وتحديداً في فقرتيها (1) و (2)، فتنص على أن حق الأم في حضانة الذكر يستمر حتى بلوغه الحادية عشرة من العمر، وحقها في حضانة الأنثى حتى بلوغها الثالثة عشرة، ما لم تقرر المحكمة تمديد هذه المدة لمصلحة المحضون، وذلك لأسباب مثل استكماله لدراسته أو زواج الحاضنة.
وفي حال كان المحضون يعاني من إعاقة أو مرض خطير، فإن حضانة الأم تستمر ما لم تقتضِ مصلحة الطفل خلاف ذلك.
وبعد انتهاء المدة القانونية للحضانة المنصوص عليها في المادة (156)، يجوز نقل ولاية الحضانة إلى الأب بناءً على طلبه، وفقاً لأحكام قانون الأحوال الشخصية.
خلال فترة حضانة الأم للطفل، يظل الأب ملتزماً بدفع النفقة الشرعية، حيث تقدر المحكمة المبلغ المناسب بالنظر إلى دخل الأب واحتياجات الطفل. وتغطي هذه النفقة جميع التكاليف المالية اللازمة لرعاية الطفل، بغض النظر عن الوضع المالي للأم، وتشمل أموراً مثل السكن والطعام والملبس والسفر ورعاية الأطفال وغيرها.
وبمقتضى المادة (148)، يجب على الشخص المسؤول عن نفقة الطفل في الحضانة أن يؤمن سكناً للحاضنة إذا لم تكن تمتلك مسكناً خاصاً بها. بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت الحاضنة زوجة لأب المحضون أو في فترة العدة وتستحق النفقة منه، فإنها لا تستحق في هذه الحالة أجراً إضافياً مقابل الحضانة.
ما هي الحالات التي تنتهي فيها حضانة الأم وفق القانون الإماراتي؟
وقد بين التشريع أيضاً مجموعة من الظروف التي في حال تحققها تؤدي إلى إنهاء حق الأم في الحضانة، وهي كالتالي:
- في حال زواج الأم من شخص غريب غير معروف للطفل، فإن حق الحضانة يُسحب منها.
- تُسحب الحضانة أيضاً إذا أصيبت الأم بمرض مُعدٍ قد ينتقل إلى الطفل.
- تفقد الأم الحضانة إذا كانت تعاني من مرض يشكل خطراً على الطفل، خاصة إذا كان المرض عقلياً أو نفسياً.
- إذا تورطت الأم في قضية تتعارض مع الأخلاق العامة، فإن ذلك يؤدي إلى سقوط حقها في الحضانة بسبب عدم قدرتها على تربية الطفل في بيئة سليمة.
- إذا اختلف دين الأم عن دين الطفل، فقد تفقد الحضانة، حيث أن هذا الاختلاف قد يلحق ضرراً بمصلحة الطفل.
- إذا كانت الأم غير قادرة على رعاية الطفل بشكل كافٍ أو تعتبر غير مؤهلة لذلك، فإنها تفقد حضانته.
- كما أن الرعاية غير الملائمة أو الإهمال في تربية الطفل من قبل الأم قد يؤدي إلى فقدانها للحضانة.
- من الجدير بالذكر أن تقصير الطفل الأكاديمي أو فشله الدراسي قد يكون سبباً في سقوط حضانة الأم.
- وتدهور صحة الطفل نتيجة إهمال الأم في رعايته يؤدي أيضاً إلى إنهاء حقها في الحضانة.
- استخدام الأم لأي نوع من المواد المخدرة بمختلف أشكالها.
- في حال امتناع الأم عن منح الأب حق زيارة الطفل أو عدم حضوره في المواعيد المحددة للزيارة لثلاث مرات متتالية بعد صدور حكم قضائي بذلك.
بناءً على ذلك، تنتقل الحضانة إلى الأب تلقائياً بغض النظر عن عمر الطفل، وذلك بعد أن تثبت المحكمة وجود أفعال إجرامية أو مخالفات للشريعة الإسلامية من قبل الأم.
ما هي الظروف الأخرى التي تُؤدي إلى فقدان الأم لحق الحضانة وفق التشريع الإماراتي؟
تفقد الأم حقها في الحضانة في الحالات التالية:
- عدم استيفاء أحد الشروط المنصوص عليها في المادة (143)، والتي تشترط توافر العقل والرشد والأمانة، أو ثبوت عجزها عن تربية الطفل أو رعايته أو إعالته، أو معاناتها من مرض مُعدٍ خطير، أو إدانتها في جريمة تُخلّ بالشرف والثقة العامة.
- مخالفة أي من الشرطين الواردين في المادة (144)، وهما اشتراط اتحاد دين الحاضنة مع دين المحضون، واشتراط ألا تكون متزوجة من شخص أجنبي (أي غريب) لا تربطه به صلة ولاية أو وصاية.
- انتقال الحاضنة إلى دولة يصعب فيها على الولي (الأب) القيام بواجباته الرقابية أو متابعتها.
- عدم قيام الأم ذات الأحقية في الحضانة بتقديم طلب للمطالبة بها خلال مدة ستة أشهر من تاريخ استحقاقها دون عذر مقبول.
- في حالة سكنى الحاضنة الجديدة (التي حُكم لها بالحضانة من المحكمة) مع الشخص الذي سقطت حضانته لسبب غير عجز جسدي.
بعض الشروط الإضافية الخاصة بحضانة المرأة
تشترط المادة (144) بعض المتطلبات الإضافية في حال كانت الحاضنة امرأة، زيادة على الشروط المذكورة سابقاً، وهي:
- ألا يكون لها زوج أجنبي (غريب) تعيش معه في نفس المسكن مع الطفل، إلا إذا قررت المحكمة غير ذلك لمصلحة الطفل.
- يجب أن تكون الحاضنة على نفس دين المحضون؛ فإن اختلف دينها عنه سقط حقها في الحضانة، مع مراعاة أحكام المادة (145) التي تمنح القاضي سلطة تقديرية لتمديد فترة الحضانة لديها بشرط ألا تتجاوز خمس سنوات، سواء أكان المحضون ذكراً أم أنثى.
كما يجدر الذكر أن حق الحضانة يعود للأم مرة أخرى بعد زوال السبب الذي أدى إلى سقوطه عنها.
الامتيازات المستحقة للأم في حالة استمرار ولايتها للحضانة بموجب القانون الإماراتي
- يحق للأم الاحتفاظ بجوازات سفر الأبناء القصر لدى سفرهم.
- إذا رأت المحكمة أن الوصي يمتنع عن تسليم جواز السفر للأم الحاضنة عند الحاجة إليه بدافع العناد أو التعنت، فإن لها أن تأمر الأم بالاحتفاظ به.
- يحق للوصي (الأب) الاحتفاظ بوثيقة الولاية والمستندات الإثباتية المرتبطة بها، سواءً كانت أصولاً أو صوراً، مثل شهادة الميلاد الأصلية للطفل أو بطاقة الهوية.
- يجب تنفيذ الحكم القضائي بمنح ولاية الحضانة للأم في حال أمرت المحكمة بذلك.
- لا يجوز تنفيذ حكم قضائي ضد الزوجة السابقة لإجبارها على التنازل عن الحضانة.
- للزوجة التي تتنازل طواعية عن حضانة أبنائها الحق في المطالبة باستعادة الحضانة إذا كان الأبناء تحت وصاية شخص غير مؤتمن، أو إذا وجد ما يهدد مصالحهم أو يلحق بهم ضرراً.
تعتبر قضايا الحضانة من أكثر المسائل القانونية حساسية وتعقيداً لما لها من أثر بالغ على مستقبل الأبناء وتماسك الأسرة، حتى بعد انفصال الوالدين. ويظهر التشريع الإماراتي في قانون الأحوال الشخصية اهتماماً بالغاً بتفصيل هذه المسألة، حيث يوازن بدقة بين حقوق الأم وصلاحيات الأب، مع وضع مصلحة الطفل الفضلى كمعيار أعلى وحَكَمٍ في كل قرار.
من خلال تنظيم واضح للحقوق والواجبات، وتحديد دقيق للحالات التي تسقط فيها الحضانة أو تسترد، يهدف القانون إلى ضمان بيئة آمنة ومستقرة للأطفال، وحماية لهم من أن يصبحوا أداة في صراعات الكبار. كما يمنح القضاء سلطة تقديرية واسعة للنظر في كل حالة على حدة، مما يضمن مرونة في تطبيق العدالة تتناسب مع ظروف كل أسرة.
لذا، فإن فهم هذه الأحكام ليس مهماً فقط للأطراف المباشرة في النزاع، بل هو أمر ضروري للمجتمع ككل، حيث تسهم هذه القواعد في بناء جيل سليم نفسياً وقانونياً. وفي النهاية، يبقى الهدف الأسمى هو الحفاظ على كيان الطفل النفسي والجسدي، وضمان حقه في النشأة تحت رعاية تكفل له الحماية والاستقرار، وهو ما يجسده القانون الإماراتي بوصفه منظومة متكاملة ترعى حقوق جميع الأطراف في إطار من العدالة والرحمة.